ابن الحسن النباهي الأندلسي
194
المرقبة العليا فيمن يستحق القضاء والفتيا ( تاريخ قضاة الأندلس )
عليه ، أم غيره ! وعلى كلّ تقدير ، واللّه تعالى يلطف بالساكن في هذه الجزيرة المنعطفة من البحر الزاخر ، والعدوّ الكافر ، ويجعل عافية من بها إلى خير ! . والعقاص المذكور في الحديث هو داء يصيب الغنم ، فتموت بإذن اللّه . والطاعون سئل عنه رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلم ! - فقال : رجس أرسل على بني إسرائيل ! وقيل إنّه أوّل ما بدأ بهم في الأرض ، ومات به منهم عشرون ألفا . وقيل : سبعون ألفا في ساعة واحدة . وقيل إنّهم عذّبوا به . وفي الحديث أيضا سئل - عليه السلام - ! عن الطاعون ؛ فقال : غدّة كغدّة البعير ، تخرج في المراقّ والآباط « 1 » . قال أبو عمر : قال غير واحد : وقد تخرّج في الأيدي ، والأصابع ، وحيث ما شاء اللّه من البدن . وما أخبر به النبيّ - صلّى اللّه عليه وسلم - ! حقّ وإنّه الغالب . وقال الخليل : الوباء الطاعون . وقال غيره : كل مرض يشتمل الكثير من الناس في جهة من الجهات ، فهو طاعون . وعن عياض : أصله القروح في المسجد ؛ والوباء عموم المرض ، فسمّي لذلك طاعونا ، تشبيها بالهلاك . وقيل فيه غير ما ذكر . وقد شاهدنا منه غرائب يقصر اللسان عن بيان جملة أجزائها . ومنها انتهى عدد الأموات في تلك الملحمة الوبائيّة بمالقة إلى ما يزيد في اليوم على الألف ، بقي بعد ذلك أشهرا حتى خلت الدّور ، وعمرت القبور ، وخرج أكثر الفقهاء والفضلاء والزعماء ، وذهب كلّ من كان قد شرط للقاضي أبي عبد اللّه إعانته على ما تولّاه . وكان من لطف اللّه تعالى بمن بقي حيّا من الضعفاء بمالقة كون القاضي لهم بقيد الحياة ، إذ كان قبل ذلك ، على تباين طبقاتهم ، قد هرعوا إليه بأموالهم ، وقلّدوه تفريق صدقاتهم ؛ فاستقرّ لنظره من الذهب ، والفضّة ، والحلى ، والذخيرة ، وغير ذلك ، ما تضيق عنه بيوت أموال الملوك ؛ فأرفد جملة من الطّلبة وفقراء البلدة ، وتفقّد سائر الغربة ، وصار يعدّ كلّ يوم تهيئة مائة قبر حفرا . وأكفانهم برسم من يضطرّ إليها من الضعفاء فشمل النفع به الأحياء والأموات . بقي هو وغيره من أهل القطر على ذلك زمانا ، مشاركة بالأموال ومساهمة في المصائب والنوازل ، إلى أن خفّ
--> ( 1 ) المراقّ ، بتشديد القاف : ما رقّ من أسفل البطن . جمع إبط وهو باطن المنكب . لسان العرب ( مرق ) و ( أبط ) .